الخطيب الشربيني

351

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

81 ] وأما دليل التهديد فقوله تعالى إِنْ نَشَأْ أي : بما لنا من العظمة نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أي : كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً أي : قطعا مِنَ السَّماءِ فنهلكهم بها ، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها . تنبيه : في قوله تعالى أَ فَلَمْ يَرَوْا الرأيان المشهوران قدره الزمخشري أفعموا فلم يروا وغيره يدعي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف ، وقوله مِنَ السَّماءِ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف ، ويجوز أن يكون حالا فيتعلق به أيضا قيل : وثم حال محذوفة تقديره : أفلم يروا إلى كذا مقهورا تحت قدرتنا أو محيطا بهم فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها ، وأنا القادر عليهم وقرأ حمزة والكسائي إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط بالياء في الثلاثة كقوله تعالى أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ الأنعام : 21 ] والباقون بالنون ، وأدغم الكسائي الفاء في الباء وأظهرها الباقون إِنَّ فِي ذلِكَ أي : فيما ترون من السماء والأرض لَآيَةً أي : علامة بينة تدل على قدرتنا على البعث لِكُلِّ عَبْدٍ أي : متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه مُنِيبٍ أي : فيه قابلية الرجوع إلى ربه بقلبه . ولما ذكر تعالى من ينيب من عباده وكان من جملتهم داود عليه السّلام كما قال ربه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ ص : 24 ] ذكره بقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا أي : أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من العظمة داوُدَ مِنَّا فَضْلًا أي : النبوة والكتاب ، أو الملك أو جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به ، وهذا الأخير أولى . تنبيه : قوله تعالى مِنَّا فيه إشارة إلى بيان فضل داود عليه السّلام لأن قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتى الملك زيدا خلعة فإذا قال القائل : أتاه منه خلعه يفيد أنه كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله تعالى الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ونظيره قوله تعالى يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ [ التوبة : 21 ] فإن رحمة الله تعالى واسعة تصل إلى كل أحد ، لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه وقوله تعالى يا جِبالُ محكي بقول مضمر ثم إن شئت قدرته مصدرا ، ويكون بدلا من فضل على جهة تفسيره به كأنه قيل آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، وإن شئت قدرته فعلا وحينئذ لك وجهان : إن شئت جعلته بدلا من آتينا معناه آتينا قلنا : يا جبال ، وإن شئت جعلته مستأنفا أَوِّبِي أي : رجّعي مَعَهُ بالتسبيح إذا سبح أمر من التأويب وهو الترجيع وقيل : التسبيح بلغة الحبشة وقال العيني : أصله من التأويب في السير ، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه يقول : أوبي النهار كله بالتسبيح معه وقال وهب : نوحي معه وقيل : سيري معه وقوله تعالى وَالطَّيْرَ منصوب بإجماع القراء السبعة واختلف في وجه نصبه على أوجه : أحدها : أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديرا لأن كل منادى في موضع نصب . الثاني : أنه عطف على فضلا قاله الكسائي ، ولا بد من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلا وتسبيح الطير . الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل أي : وسخرنا له الطير قاله أبو عمرو . تنبيه : لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجمود والطير للنفور وكلاهما تستبعد منه الموافقة ، فإذا وافقته هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة قال المفسرون : كان داود عليه